فتح باب الغرفة الصغيرة ودلف إلى داخلها منحني الرأس وقد خيّمت على وجهه حالة من الوجوم والتوتر، ضغط على زرّ حاسوبه الموضوع على طاولة مصنوعة من جوانب حديدية تغطّيها صفائح زجاجية، وشغّل مجموعة أغاني للراحل عبد الحليم حافظ، وعلى إيقاعاتها شرع في تحرير الرسالة التالية : ” ... تتساقط الأفكار على الذاكرة المثخنة بالجراح كوريقات الخريف البالية...هي ذي الأوحال تعشش في رحم الزمان، وذويّ الرعد يخرج من فم صبيّ أفزعه صوت وقع الأمطار على الصفائح الممتدة من البيضاء إلى الرباط...نحن المرابطون بلا فقيه، نمدّ أكف الضراعة إلى السماء لعلّها تخلّصنا من كفن النسيان المنسوج حول عوراتنا، حتى السراويل فرّت من فوق سوءاتنا من وحشية الجنس الممارس علينا بلا فراش، جنس الجلاّد ، هي ذي سياطك يا زمن تهوي على ظهورنا فترسم عليها باللون البني القاتم كلمة لا... فتحنا الدرج نبحت عن موقع لنا على خارطة الوطن، آه !! صوت آه ينفلت من خلف الصفيح بلا اتجاه، ويد تكفكف شظايا الدمع حتى لا تذبح الوجنتان، هاهم قد خرجوا يحملون نعشا على الأكتاف، هاهم يسيرون به بلا تكبير ولا قرآن، هاهم يمضون به بلا دمع ولا أحزان، هاهم ينبشون له قبرا في مقبرة الأوطان . نسافر بلا اتجاه يا وطني، وتموت الأحلام فينا دون أن يفتحوا تحقيقات ولا محاكمات ... وهذه الجرذان تسكننا فنصير لطول مكوتها فينا جرذانا، نتناسل بلا انقطاع لعلّنا نجد في الجنس ما يثبت وجودنا، حين تهجع الدبابير إلى أوكارها يخرج أطفالنا يتحسسون صناديق القمامة، يبحثون بين أزبالها عن كسرة خبز، عن دمية ترفع يدها وتجفف الدمع المنحدر من أعين السماء، عن حلم ضاع منهم ذات يوم، أو عن ابتسامة، ولكن و للأسف ! تقع أيديهم على غفلة منهم في مصيدة الجرذان فيصرخون من شدة وقعها على العظام، يتراجعون وهم عازمون على عدم العودة لسلة القمامة مرة أخرى وقد ارتسم على محيّاهم صوت آه ... هكذا هي حياتنا خلف الصفيح، زمن يمضي بنا بلا رجوع، وحتى لا تسألني ذات يوم إذا ما متّ بينكم ناشرا فيكم عدوى الموت لما فعلت ؟ دعني أقول لكم بأننا أبدا لن نموت رخصا أو نؤدي بموتنا الأبرياء، لن تدفنونا في مقبرة الأوطان كما فعلتم مع الوطن ... “ رفع رأسه نحو شاشة الحاسوب وقد وضع غطاء القلم بين أسنانه، فتح المجال من جديد للأفكار للتتطاحن داخل مخه الموشك على الانفجار، حمل الرسالة بتوتر بين أنامله المرتعشة، وطواها قبل أن يضعها في جيب قميصه الأمامي ويقوم مغادرا الغرفة. كان يسير بين أزقة الكاريان الضيقة وعيناه تتفحصان الصفائح القصديرية التي ملأها الصدأ، وكأنه يبحث بينها عن جواب لملايين الأسئلة المتناحرة في داخله، سمع صوت صراخ خلفه فاستدار في تثاقل ضنا منه بأنّ هناك من يناديه، لكنه لم يجد سوى طفلا صغيرا قد شدّ جرذا كبير بخيط من ذيله وهو يركض به صارخا : - عَنْ عَنْ عنننننعن، طِيطْ طِيطْ كل شيء بهذا الحي الصفيحي يولّد بنفسه نيرانا يصعب إخمادها، بدل جهدا كبيرا وهو يتخطّى بحيرة الأوحال الممتدة على طول المسافة الفاصلة بين المجمع الصفيحي والحي الإسمنتي المجاور لهم، وبعد دقائق بلغ برّ الأمان، تحسس جيبه وأخرج منديلا قديما وشرع يزيل الأوحال عن حذائه وأسفل سرواله، ثمّ نظر إلى ساعته وهرول إلى أقرب محطة للحافلات. شعر بغيض كبير وهو يرى عددا من الحافلات تمرّ دون أن يكلّف سائقوها أنفسهم عناء التوقف بهذه المحطّة، كان الوقت يركض بجنون دون اكتراث بمن يخلفهم خلفه في زحمة الأحداث، توقفت إحدى الحافلات فدلف إلى بطنها كما دلف يونس إلى بطن الحوت، كلّ الوجوه تتجسس على بعضها البعض، وحين تلتقي العيون تنحني أكثرها خجلا في حين تضلّ الأخرى تتلذذ بمتعة الغوص في الآخر، هذا الآخر الذي لا يعدو في النهاية سوى صورة لنا. نزل من الحافلة وهرول صوب مقرّ عمله عابرا زقاقا مكتظّا بالباعة المتجولين اللذين كانوا يتنابحون بشكل هستيري : - البيجامات يا العيالات غير 600 ريال. - ريكلام إلاّ 50 درهم يا الله زيدو ما بقاشْ - ... ضغط على زرّ المصعد وانتظر طويلا دون جدوى، تأفف تم هرول مسرعا يرتقي الدرج إلى الطابق السادس، فتح الباب ليجد رئيسه ينتظره وقد قد ارتفع أحد حاجبيه حتى كاد يختلط بشعر رأسه، نبس له بالتحية متمتما : - السلام عليكم توقف هنيهة دون أن يرفع رأسه لعله يسمع ردا عن تحيته أو توبيخا أو أيّ شيء يضع حدا لنيران الأفكار المشتعلة في رأسه، لكنه لم يسمع شيئا، فقرّر الاتجاه نحو مكتبه، وما كاد يرمي بقدميه خطوتين نحو الأمام حتى دوّى في أذنيه صوت رئيسه وهو يصرخ شاتما : - درّق عليا وجهك من اليوم ما نشوفك هنا، على عمّر شي كارياني دارها زوينة، غبّر عليا وجهك عاد أدراجه دون أن ينبس بكلمة، كان بإمكانه أن يردّ على شتائمه ويبادله الشتيمة بعشرة من أمثالها، ولكن شيئا ما بداخله كان يدفعه للالتزام الصمت، حتى دعوات أمه هذا الصباح لم تشفع له في هذا الموقف القاتل. سار بلا اتجاه يجوب أزقة المدينة القديمة الضيقة حتى أفضت به إلى الميناء، ومنه تابع الخطى زاحفا نحو الحي الصناعي لعين سبع، وعلى طول الطريق كان يعود بأفكاره سنتين إلى الوراء، حين سمح ذات يوم لقلبه بأن يفكر في ولوج عالم الحب، فتعلّق بإحدى زميلاته من أيّام الجامعة، وقرّر أن يتقدّم لخطبتها، فما كان جواب والديها إلاّ أن قالا له : - احنا ما كنزوجوش بناتنا لواحد ساكن في الكاريان ثبا لهذا الكاريان وثبا لمن اخترع الصفيح دون أن يفكّر أنّه قد يتحوّل ذات يوم إلى وصمة عار أبدية على جبين البؤساء أمثالنا، قالها في نفسه وهو ويتوقف على خط السكة الحديدية، وترامى إلى سمعه صوت القطار وهو قادم اتجاهه من بعيد، أراد أن يبتعد عن السكة الحديدية لكن شيئا ما بداخله كان يدعوه للبقاء بين حديدها، وضع يده بارتعاش في جيبه وأخرج الرسالة التي كان قد كتبها قبل أن يتوجه للعمل، وأخرج قلما من الجيب الآخر وشرع يكتب : ” ... ها نحن نموت كي تعيشوا وحدكم دون أن تموت الأسئلة الرابضة فينا أو تنبطح شمس الأفول، سيكمل القطار طريقه من فوق ظهورنا في رحلة اللاعودة، وأنت يا وطني سنزورك كل مساء حين تغمس الشمس رأسها في مياه البحر خجلا وهي ترى الدمع يتدفق من مقلتيك، سنزورك يا وطني حاملين إليك وريقات زيتون وباقات أقحوان، وقبل ذلك ها نحن نموت يا وطني دون أن تدفن أجسادنا أو تصلّى عليها صلاة الجنازة أو تتلى عليها آيات من القرآن ... ها نحن نموت يا وطني، ولكن بعد أن فتحنا في الجدران نوافذ ننظر من خلالها إلى تقاسيم وجهك ...أبدا لا تلمنا يا وطني إذا ما متنا ذات يوم كدودة على قارعة الطريق ... أبدا لا تلمنا يا وطني، إذا ما انفجرنا غيضا ذات يوم وكتبنا بدمائنا قصيدة آه بلا عنوان.
البيضاء 17 ماي 
الشّعالة يا خويا الشُّعالة واش عاجباكم هاد الحالة؟ لا خدمة لا صاليرْ شوف ولادنا صبحو عالة زادو في الخبز والزيت زادو في القمح والنخالة قول لي يا حزب الاستقلال آش هاد الحالة؟ يا عبّاس يا فاسي الزيادة ولاّت بْسَالة خرّجتو للمسكين عينيه بالشوكة بحال الغلالة الشّعالة يا خويا الشّعالة يا خويا هزْ ليديك زمان الخوف راه سالا خليناهم يْلَعْبو الكولف ولْعَبْنا احْنا البي وْ مالا المسكين ينتف في الدجاج وهوما يدبحو في الحوالا الشّعالة يا خويا الشّعالة شعّلها راه الصبر تقاضى وسالَ يا قالوها الغيوان ياكْ غنّوها جيل جيلالة يا خويا كون مع بنادم لا تدخل لزريبة الحْوالَ لا خدمة لا سبيطار لا أمن لا صحة عيشين عيشة الفيران في الزبّالة الشّعالة يا خويا الشّعالة هذا هو الوقت مدْ ليديك آجي تعالَ الشعالة يا خويا الشّعالة يا من قال جوّع كلبك يتبعك دابا خبارك يجيبوها اللوالا شحالْ من كلب عض مولاهْ وشحال من قصر اصبح في ليلة نْوالَةبقلم : عزيز مطيع
لم يكن يدري أين هو، ولا كان يعلم شيئا عن ما يحدث له من أشياء لم يفهم منها شيئا، اللهم ذلك السيل من الشتائم التي كانت تنهال عليه بين الفينة والأخرى منذ أن اقتحم مجموعة من الرجال بيتهم الصفيحي ، فكبّلوا يديه و وضعوا عصابة على عينيه وهم يقذفونه بشتى أنواع الألفاظ التي يستحي قاموس اللغة أن يخصص لها مكانا : - وقف يا ولد الق...آش كتصحاب راسك ؟ عمر بن الخطاب ! قول يا ولد الزنا... سمع صوت والدته وهي تصرخ مستعطفة أحيانا وشاتمة أحيانا أخرى، لكنه لم يستطع أن يبصرها كي يلاحظ وقع تلك الألفاظ القبيحة التي نعتوها بها وهي منها براء، فقط الظلام هو الشيء الوحيد الذي كان يراه آنداك، وبعض الركلات والصفعات التي كان يتلقاها كلما توقف محاولا الاستفسار عما يحدث له ...سمع أصوات بعض النسوة من جاراتهم وهي ترتفع مصحوبة بأصوات لطم الوجوه والأفخاذ، ولم يستطع أن يميّز من بين هذه الأصوات سوى صوت عجوز وهي تصرخ : - الله يا ربي الله على اولاد سيدي مومن مشاو كاملين، يصبرك الله يا السي سيدي مومن. وقعت هذه العبارة على مسمعه كالماء البارد...اختلطت الأصوات في أذنيه...وأحس بيد خشنة تدفعه بقوة داخل سيارة الشرطة المتوقفة أمام طرف الزقاق الصفيحي الضيق، وما إن دلف داخلها حتى شعر بقواه تخور تدريجا تم شعر بالإغماء وبدت له صورة والده سيدي مومن وكأنه يركض نحوه قادما من بعيد وهو يصرخ ...لا ! إلاّ هو...إنه الأمل الوحيد الذي تبقى عندي...لكنه سرعان ما استفاق من غيبوبته على وقع صفعة تلقاها على خذه الأيسر فاستفاق فاتحا عينيه ورأى نفسه شبه عار إلاّ من تبّان بال أكل التصبين معظم أجزائه، طاف بعينيه على أركان غرفة جدرانها سوداء وسقفها أسود، وتوقفت عيناه شاخصة على الجسد الضخم الواقف بجانبه...كان الرجل يرتدي سروال جينز ملتصق على فخذيه الضخمتين، وقميصا بدون أكمام ويضع نظارات سوداء تشبه لون الغرفة المظلمة أصلا، انحنى الرجل نحو أحمد وأمسك خناقه بقبضته الحديدية حتى أحسّ بروحه تكاد تنفلت من بين هذه الأصابع الخشنة...تم رفعه للأعلى حتى صارت عيناهما على خط أفقي واحد...وصرخ في وجهه محذرا : - غير غادي تعتارف لي بكلشي، أو لا غادي ننتف لمّك الزغب ديال ... همّ أن يتكلم...غير أنه شعر بثقل في لسانه وعاوده الدوار من جديد، كل شيء من حوله كان يوحي له بقرب نهايته التي طالما انتظرها دون أن تأتي...وما كاد يتلقى أول ركلة على مستوى جهازه التناسلي حتى غاب عن الوعي من جديد...وتبدت له صورة والدته وهي تحمل صينية الشاي وتدخل عليه الغرفة الوحيدة في هذا الكوخ الذي يقتسمون صفائحه مع بعض الجرذان...وتطلب منه أن يضع كتبه ويحتسي معها كوبا من الشاي يرد به أنفاسه...وتردد في أذنيه صوت دعواتها وهي تناجي ربها بعد الصلاة رافعة أكف الضراعة نحو السماء: يا الله هاك يدي...يارب لا تردّها خائبة فلطالما ناجتك...وهذا ولدي الوحيد الذي بقي معي بعدما سرق مني الفقر إخوته...يا ألله بيدي جمعت أشلائهم دون أن يكون لي الحق في دفنها في التراب... استيقظ من جديد على وجه الشرطي الواقف أمامه وقد تغيرت لهجته وخلت لغته من تلك المفردات القبيحة التي لم تغادر شفتيه، وصار يستخدم لغة ومفردات رقيقة لم يألفها أحمد بل ولا ناسبت هذا الوجه الممتلئ، ذا العينان الجاحظتان والأنف الغليظ وخاطبه قائلا : - يا أخي أنا طيب جدا...طيب أكثر مما يجب...وأنت شاب رقيق ومهذب و...مثقف، نعم مثقف وستفهمني إذا قلت لك أنّ ما نقوم به هو في صالح الوطن، والوطن كما تعلم هو أنت...وأنا...وأمك...وكل من تحب...ولهذا فعليك أن تساعدنا وتخبرني عن الجهات التي زوّدت أشقائك ومن معهم بتلك المتفجرات. ردّ أحمد متمتما : - أنت سوف لن تفهمني...أقسم لك أنني أنا أيضا ضد القتل ونشر الرعب باسم الدين...ولكن ما ذنبي أنا في كل ما حذت ويحدث ؟ - ذنبك أنّك أيضا تحمل اللقب نفسه، سيدي مومن...هذا الذي لم يخلّف سوى شرذمة من القتلة وسفاكي الدماء. - صدقني إذا قلت لك أنّ الذنب ليس ذنب أبي، فهو ككل الآباء كان يتوق ليرى أبناءه رجالا يشمرون على سواعدهم لخدمة الوطن وخدمته، لقد كان يكدّ ليراهم رجالا لا قنابل تنفجر هنا وهناك ميتة وناشرة حمى الموت على من حولها، يبكي منتحبا تمّ يتابع: ...سل دموعه التي يذرفها كلما بلغه خبر انفجار فلذة من فلذات كبده في هذه المقهى أو داخل ذلك الفندق قاتلا معه الأبرياء من أبناء هذا الوطن العزيز الغالي...فارحموا شيخا هالته فواجع الفقراء داس الخراب لوحده زمنا دون أن يربّت أحد على كتفيه...واسألوه كم مرّة حمل الخواء في صرته كي يحمله لأبنائه الجياع...هو الذي حمل الأسفار مثل حمار ألف عام...فلا تلوموه إذا لم يستطع أن ينشئ جيلا قادرا على تقفي خطاه...فلا أحد منا يتمنى وهو يمتطي زوجته أن ينجب القنابل... وفي الحي الصفيحي كان مجموعة من الرجال يقفون أمام كوخ صغير يتجاذبون أطراف الحديث بين متفائل ومتشائم، ويتوسطهم سيدي مومن والد أحمد الذي لم تكد دموعه تجفّ من البكاء على أبنائه المنتحرين هنا وهناك حتى أكلمه خبر احتجاز ابنه أحمد، ورغم دموعه فقد عرفه الناس رجلا صامدا مكافحا من أجل الحصول على قوت يومه هو وأبنائه اللذين طالما رأى فيهم غذه المشرق الذي قد ينسيه ضنك العيش، وساعات الشقاء الطويلة التي يقضيها في العمل، كانت التجاعيد تحيط بمعظم وجهه العريض، وبدا شاردا غير منتبه لما يردده حوله بعض جيرانه من الفقراء أمثاله اللذين توارثوا خصلة التضامن عن آبائهم وأجدادهم، وسرعان ما أخرجه من شروده صوت ابنه الصغير وهو يمسك بطرف جلبابه الممزق صارخا : - بّا بغيتْ نبول ! - سيرْ للتيرا وبول أولدي فحتى المرحاض لم تكن المساحة الصغيرة للكوخ لتسعه، مما كان يضطر أبناء سيدي مومن لتعرية سوءاتهم بالخلاء، لقد كان يرى أبناءه وهم يموتون أمام عينيه كل يوم دون أن يملك شيئا يبعد به حمى الموت عنهم، كان يراهم وهم يموتون كلما حلّ الليل وتزاحموا في صحن الكوخ كقطع السردين في علبة الصفيح الباردة.. ذكورا وإناثا، ويراهم وهم يموتون كلما طلب منه أحدهم ثمن نعل يحمي به قدمه المتآكلة، فعبثا حاول سيدي مومن تغيير هذا الوضع الذي جثم على أنفاسه لعشرات السنين، عبثا كان يصرخ ليسمع صوته لمن حوله ممن يلاحقون بعصيهم الغليضة تلك الكرات الصغيرة البيضاء فوق أعشاب خضراء...أعشاب تفتقر إليها حتى الحدائق العامة المحيطة بالأحياء المجاورة لدوارهم ، ومما كان يزيد شرخ المأساة التي عاشها ويعيشها سيدي مومن هو أنه خلّف عددا كبيرا من الأبناء، لأنّه لم يعتقد أنّه سيأتي يوم تتزايد فيه طلبات هذا العدد الكبير من الأبناء، وكيف يعتقد هذا وهو البدوي الذي تربّى في قرى لا تضرب لعدد الأطفال حسابا، وحتى أبناءه ساروا على نهجه يتناسلون كما تتناسل الأرانب داخل الجحور، ومن يدري فقد يكونون وجدوا في الجنس أسلوبا يجعلهم يشعرون أنهم أحياء..فصار الجنس بالنسبة لهم كالدواء..حصة قبل الإفطار وأخرى بعد الغداء..وعشرات منها قبل النوم، جنس يشتركون في سماع صوته وحنحناته عبر شقوق الجدران الصفيحية المتآكلة، فصار كل واحد من أبناء سيدي مومن يعرف مواعيد جماع أخيه المجاور له...وصارت زوجة كل واحد منهم تعرف أوقات طمث جارتها، وقد تزيد المأساة أحيانا وتحرق حرارة هذا الجنس كل القيود والأعراف والتقاليد...فيجامع الأخ أخته والأخت أخاها نتيجة ضيق الكوخ والأفرشة المشتركة...وقد يتعداه أحيانا أخرى إلى الشذوذ. وتجري الأيام في مضمار تشاء الأقدار أن يكون لا نهاية له... وتكبر المأساة...ويتغلغل الحزن عميقا بشكل تنقبض له الشرايين...وأبناء سيدي مومن مشتتين بين سجين ومشرّد وهائم على وجه الأرض، تجري الأيام وأحمد خلف القضبان ينتظر محاكمة طال انتظارها، لطالما صرخ في وجه أساتذته في مدرجات الجامعة بضرورة محاكمة كل أولئك اللذين سلبوه وإخوته وجيرانه حق العيش الكريم...وهاهو ذا الآن هو من سيمثل أمام القضاء بتهمة المساهمة في نشر حمى الموت وهو الميت منذ سنين...لقد أوقفوه حتى قبل أن ينطلق...لم يستطع أن يستوعب كيف يتهموه بالتخطيط للقتل وهو الذي تبرّأ من إخوته اللذين قاموا بتلك الجرائم البشعة بعدما أوقعهم الفقر في شباك إرهابيين استطاعوا أن يستغلوا فقرهم وأميتهم وحوّلوهم إلى قنابل تنفجر هنا وهناك محرقة كل من حولها، يعود بذاكرته ثلاث سنين إلى الوراء حين كان يقف هو وبعض أصدقائه من البؤساء على خشبة المسرح صارخين بأعلى صوتهم : يا غيم هل راح منك المطر أم نسيت أنّ هناك خلف الصفيح من ينتظر يا غيم سلنا عن هويتنا فلسنا ندري أبَدوٌ نحن أم حضر ولا درينا أنّنا غجر أبدا لن تمنعوا عنا المطر ها الصفيح يرتفع أمام أعينكم وها الجوع يزحف نحونا والدمع على الخدود انهمر ها البسمة تجمع حقائبها وتنفّذ وصية القدر سنصمد..سنهمس..سنجهر لن ننتحر..لن نندحر لن ننشر الموت لن نفعل كالأغبياء و ننفجر لأننا حتى النخاع نعشق هذا الوطن كل شيء له بداية ونهاية، إلاّ مأساة سيدي مومن، فلا بداية لها ولا نهاية، كان أحمد يرى في والده سيدي مومن رمزا للمقاومة والتضحية، فعل كلّ شيء دون أن يحصل على شيء، يغمض أحمد عينيه ويحاول استرجاع بعض اللحظات الجميلة المعدودة على رؤوس الأصابع من حياة أسرته، حين كان هو وإخوته صغارا يتحلقون حول صينية الشاي وأيديهم الصغيرة تتسابق نحو دوائر الشفنج الساخنة، حين كان والدهم سيدي مومن يدعوهم للاجتهاد في الدراسة ويواعدهم ببذلة جديدة في حالة النجاح. يستعرض أحمد صور أشقائه واحدا واحدا فيتأسف لضياع أمنية والده، يتأسف لحال أولئك اللذين حملوا منهم أكياسا بلاستيكية ملئوها بمادة السيليسيون المفقدة للوعي، وساروا يتمايلون بين أزقة الأحياء وأسفل القناطر، كما يتأسف لحال أولئك اللذين استسلموا لفقرهم ووقعوا بين مخالب ذئاب بشرية حولتهم إلى قنابل لا رحم أحدا، وتزداد مرارة أحمد وهو يستعرض بين ثنايا ذاكرته المثخنة بالجراح صور أخواته البنات اللاتي حوّلهن الزمن وقلّة الحيلة إلى مومسات تلتهمهنّ أفواه وشفاه أولئك المتعطشين إلى الجنس، تتوقف به ذاكرته عند صورة أصغرهنّ سنا، ويتذكر أنها ستعرض هي الأخرى هذا الأسبوع للمحاكمة بتهمة الفساد والإخلال بالحياء في الشارع العام، ستحاكم وهي الطفلة التي لم تتجاوز سنها بعد الخامسة عشرة، يتذكر حين كان يحملها وهي ابنة السنتين على عنقه ويمضي بها لتلعب وترتاع بين أشجار الحقول المجاورة لدوارهم، كما يتذكرها وهي تلعب مع بعض أقرانها من بنات الجيران لعبة العرسان، حين كانت تغاض من جمالها معظم زميلاتها فيتشاجرن معها، ويحدث نفسه أنّ المسكينة لم تكن تدري أنها ستزف إلى قضبان وزنازين السجون، وتزداد نسبة المرارة في قلبه وهو يمرّ بصور عديدة لباقي شقيقاته اللائي حكم عليهنّ بامتهان الدعارة بعدما ضقن ضرعا بتحرشات رؤساء العمال بشركات الخياطة، وأكل التعب والإجهاد منهن ما أكل مقابل دراهم لا تسمن ولا تغني من جوع، نزلت تدحرجت آخر دمعة بقيت عالقة بجفنيه، فجمع رجليه بين ذراعيه ساندا رأسه بركبتيه، ثم استرسل في عملية بكاء كتب لها أن تكون بلا دموع. وفي البيت كانت دموع سيدي مومن أكثر انهمارا، هذا الشيخ الهرم الذي نالت منه السنين نيلا، وتركت بصماتها على معظم أجزاء جسده النحيل، وبجواره جلس بعض أبناءه اللذين تحدّوا الأقدار وتزوجوا لا لشيء سوى أن يخلّفوا من يحمل اسم سيدي مومن من بعدهم، ولا عجب أنّ كلّ واحد منهم كان ينافس الثاني في زيادة عدد الأبناء، حتى أصبح من الصعب الجلوس في كوخ أحدهم من كثرة اللغط، ربّتت بنت من بنات سيدي مومن على كتفه وهي تدعوه للتوقف عن البكاء والاستسلام لمشيئة الله، فتمتم قائلا : - لا حول ولا قوة إلاّ بالله، حسبي الله ونعم الوكيل. أشرقت شمس يوم جديد ، وألقت بجام حرارتها على علب الصفيح الممتدة على طول الشريط الشرقي للدار البيضاء محرقة كل من تحته، ومن بين هذه الصفائح صفائح كوخ سيدي مومن، ومن سوء حظّ هذا الشيخ أنّ يتواجد في هذا الصباح في فضاء أكثر حرارة، إنه قاعة من قاعات ابتدائية الدار البيضاء، فقد كان اليوم يوم محاكمة ابنه أحمد. قد بدت القاعة شبه فارغة من الحضور اللهم عدا قلة من أهالي المعتقلين اللذين سيخضعون للمحاكمة، وبدت إحدى طاولات القاعة وكأنّ عليها الغربان حيت جلست بعض المنقبات اللائي غطى النقاب جلّ أجسادهنّ، بشكل لم تعد ترى معه سوى أعين تدور في محاجر يغلب عليها السواد. تغرق القاعة في بحر من الصمت لغته الوحيدة هي الترقب والانتظار، صمت سيكسره صوت أحد أعوان المحكمة وهو يصرخ بأعلى صوته : - محكمة...! يقف كلّ من بالقاعة وأعينهم تتابع القاضي المتجه بخطى سريعة نحو المنصة، باستثناء سيدي مومن الذي لم تسعفه قدماه على الوقوف، فظلّ جالسا مكانه وشفتيه لا تكفّان عن الحركة وهو يتمتم ببعض عبارات الدعاء، أمّا ابنه أحمد فقد بدا صامدا في هذه اللحظات أكثر من أيّ وقت مضى، لعلّه يحاول بذلك طمأنة والده المنهار كليّا، وينطق القاضي باسم أحمد متبوعا بعبارة البراءة من المنسوب إليه، فترتفع أصوات الزغاريد رافعة من حرارة القاعة وحرارة الصيف، في حين يركض أحمد نحو والده معانقا إيّاه، بينما يجهش الشيخ في البكاء وهو لا يصدّق ما تراه عيناه. لأوّل مرّة يخرج سيدي مومن عن صمته ويصمم على الكلام، نعم...لقد عقد العزم على الكلام، نصب خيمة كبيرة وسط الحي الصفيحي الضخم، واستدعى جميع وسائل الإعلام التي لم تتوانى في نعته وأبناءه بأبشع المصطلحات والعبارات كلما دوّى صوت انفجار هنا أو هناك، استدعاها جميعها لتكون شاهدة على آخر كلماته التي سيقولها قبل مغادرة هذا العالم الذي لم يمنحه سوى الشقاء، فقد كان يشعر بأنّ موعد رحيله قد أصبحا وشيكا، صعد المنصة متكئا على عكازه الخشبي المهترئ، تم شرع في الكلام : - هاهو ذا سيدي مومن الذي أجمعتم جميعا على تجريم أبناءه، يقف أمامكم اليوم ليصرخ في وجوهكم بأنه لم يكن في يوم من الأيام سفاحا...لم يكن أبدا قنبلة عنقودية كما ملأتم به صفحات جرائدكم...وأبناء سيدي مومن هذا الواقف أمامكم ليسوا جميعا كما تفوّهتم به هنا وهناك...فسيدي مومن خلّف رجالا كان بالإمكان استغلالهم في البناء بدل أن يتمّ استغلالهم في الهدم والتخريب...وهاهو ذا المثال يقف حيا أمامكم شاهدا على صدق ما أقول، وينادي على ابنه أحمد ليصعد المنصة إلى جانبه، تمّ يتابع ...هذا ابني حاصل على أعلى الشهادات قد اتهمته أقلامكم قبل أن تبرّأه محاكمكم...اسألوه لماذا تشغّله مؤسساتكم وشركاتكم لتعاود رفضه بعدما تتأكد أنه يحمل اسم سيدي مومن ويسكن أحياء الصفيح...واسألوا ابنتي تلك الواقفة خلفكم وهي تحاول إخفاء وجهها بطرف منديلها استحياء...اسألوها كيف كانت تقاوم تحرشات أرباب شركات الخياطة التي اعوجّ ظهرها بسبب طول ساعات العمل التي كانت تقضيها أمام آلاتها...اسألوها عن الأجرة الزهيدة التي لا تكفي حتى لتغطية مصاريف تنقلها وحمامها الأسبوعي...اسألوها كيف تمت مساومتها في عرضها لتبيعه مرغمة وكيف فتحتم لها باب الدعارة على مصراعيه لتأتيني بطفل لا تسمع على لسانه سوى عبارة الموت للجميع...اسألوها كيف اكتوى قلبها وهي ترى فلذة كبدها أمام عينيها قطعا من اللحم منثورة هنا وهناك...ألم يكن ابنها المنتحر نتيجة لأخطائكم أنتم أيها الباحثون عن لذة الظلام...فأجيبوني وأجيبوا أنفسكم من المجرم الآن؟. انتصبت خيمة كبيرة احتلت مساحة واسعة من الزقاق، واحتشد عدد لا بأس به من المعزين والمقرئين والمرتزقة، وتكاثرت عبارات المواساة محاولة تخفيف حدّة النواح التي تسمع بين الفينة والأخرى هنا وهناك، بعض أصحاب المناصب وسماسرة الانتخابات ممن يستهويهم الظهور أمام عدسات الكاميرات وبين وصلات الأخبار كانوا يجلسون أمام صينية الشاي وهم ينظرون لساعاتهم، وكأنهم يستعجلون حضور طاقم التصوير حتى يتسنى لهم مغادرة هذا المكان الذي يذكرهم بالموت، في حين تحلق أبناء الحومة حول قصرية الكسكس يكوّرون بأيديهم حباته ويقذفونها إلى أفواههم التي لم تنقطع عن ترديد عبارة..الله يرحمها روح..المرحوم كان راجل مزيان، وفي أحد أركان الخيمة كان يجلس أحمد يفكّر كيف سيعيش هو ومن تبقى معه من إخوته في غياب سيدي مومن. 16 ماي 2006
وأخـبرتـها أنّ الحيـاة بـدونـها....عدمٌ، فناء، وجحيم من العذاب ولـمّا تـقاسـت سلّـمتنـي خطابهـا....فأشجـاني ويـاله مـن خطاب تريد الفراق يا ليتـها علمـت أنّـي....أفضّل أن أكون قبله في التراب ألا تعلـم ليـلـى جنـونـي وحبـّي....وأنّ الحياة دونها هي كالخراب ففـي كـلّ يـوم لا أراهـا يصيبني....هوس، وأمضـي تائها أقطع الرّحـاب إذا ما رأت عينـي خيـالا حـسبتـه....لليلى فما يغدو كذلك بل سراب إذا ما ذُكـرت ليلى صحى كلّ ميت....وأزهرت الأرض وأثمرت الرطاب بعيـنـيـك ليـلـى أنت أثمـلتنـي....فلا ألام إذا ما طال بي الشعر والخطاب يناير 2003 كلية الآداب المحمدية









